عبد الرحمن بن ناصر السعدي

511

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

أسدى إليكم من النعم * ( ولا تطغوا فيه ) * ، أي : في رزقه ، فتستعملوه في معاصيه ، وتبطروا النعمة ، فإنكم إن فعلتم ذلك ، حل عليكم غضبي أي : غضبت عليكم ، ثم عذبتكم . * ( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) * أي : ردى وهلك ، وخاب وخسر ، لأنه عدم الرضا والإحسان ، وحل عليه الغضب والخسران . ومع هذا ، فالتوبة معروضة ، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي ، ولهذا قال : * ( وإني لغفار ) * أي : كثير المغفرة والرحمة ، لمن تاب من الكفر ، والبدعة ، والفسوق ، وآمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وعمل صالحا من أعمال القلب والبدن ، وأقوال اللسان . * ( ثم اهتدى ) * أي : سلك الصراط المستقيم ، وتابع الرسول الكريم ، واقتدى بالدين القويم ، فهذا يغفر الله أوزاره ، ويعفو عما تقدم من ذنبه وإصراره ، لأنه أتى بالسبب الأكبر ، للمغفرة والرحمة ، بل الأسباب كلها منحصرة في هذه الأشياء فإن التوبة تجب ما قبلها ، والإيمان والإسلام ، يهدم ما قبله ، والعمل الصالح ، الذي هو الحسنات ، يذهب السيئات ، وسلوك طرق الهداية بجميع أنواعها ، من تعلم علم ، وتدبر آية أو حديث ، حتى يتبين له معنى من المعاني يهتدي به ، ودعوة إلى دين الحق ، ورد بدعة أو كفر ، أو ضلالة ، وجهاد ، وهجرة ، وغير ذلك من جزئيات الهداية ، كلها مكفرات للذنوب محصلات لغاية المطلوب . * ( ومآ أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى * قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري * فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ) * كان الله تعالى ، قد واعد موسى ، أن يأتيه ، لينزل عليه التوراة ثلاثين ليلة ، فأتمها بعشر ، فلما تم الميقات ، بادر موسى عليه السلام إلى الحضور للموعد شوقا لربه ، وحرصا على موعوده . فقال الله له : * ( وما أعجلك عن قومك يا موسى ) * أي : ما الذي قدمك عليهم ؟ ولم لم تصبر حتى تقدم أنت وهم ؟ قال : * ( هم أولاء على أثري ) * أي : قريبا مني . وسيصلون في أثري . والذي عجلني إليك يا رب الطلب لقربك ، والمسارعة في رضاك ، والشوق إليك . فقال الله له : * ( فإنا قد فتنا قومك من بعدك ) * أي : بعبادتهم للعجل ، ابتليناهم ، واختبرناهم ، فلم يصبروا . وحين وصلت إليهم المحنة ، كفروا * ( وأضلهم السامري ) * . * ( فأخرج لهم عجلا جسدا ) * وصاغه فصار * ( له خوار فقالوا ) * لهم * ( هذا إلهكم وإله موسى ) * فنسيه موسى ، فافتتن به بنو إسرائيل ، فعبدوه ، ونهاهم هارون فلم ينتهوا . فلما رجع موسى إلى قومه وهو غضبان أسف ، أي : ممتلئ غيظا وحنقا وغما ، قال لهم موبخا ومقبحا لفعلهم : * ( يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ) * وذلك بإنزال التوراة . * ( أفطال عليكم العهد ) * أي : المدة ، فتطاولتم غيبتي وهي مدة قصيرة ؟ هذا قول كثير من المفسرين ، ويحتمل أن معناه : أفطال عليكم عهد النبوة والرسالة ، فلم يكن لكم علم ولا أثر ، واندرست آثارها ، فلم تقفوا منها على خبر ، فانمحت آثارها ، لبعد العهد بها ، فعبدتم غير الله ، لغلبة الجهل ، وعدم العلم بآثار الرسالة ؟ أي : ليس الأمر كذلك ، بل النبوة بين أظهركم ، والعلم قائم ، والعذر غير مقبول ؟ أم أردتم بفعلكم ، أن يحل عليكم غضب من ربكم ؟ أي : فتعرضتم لأسبابه واقتحمتم موجب عذابه ، وهذا هو الواقع . * ( فأخلفتم موعدي ) * حين أمرتكم بالاستقامة ، ووصيت بكم هارون ، فلم ترقبوا غائبا ، ولم تحترموا حاضرا . * ( قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ول كنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا ه ذآ إل هكم وإل ه موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) * أي : قالوا له : ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمد منا ، وملك منا لأنفسنا ، ولكن السبب الداعي لذلك ، أننا تأثمنا من زينة القوم التي عندنا ، وكانوا فيما يذكرون ، استعاروا حليا كثيرا من القبط ، فخرجوا وهو معهم ، وألقوه ، وجمعوه حين ذهب موسى ، ليراجعوه فيه ، إذا رجع . وكان السامري قد بصر يوم الغرق بأثر الرسول ، فسولت له نفسه أن يأخذ قبضة من أثره ، وأنه إذا ألقاها على شيء حيي ، فتنة وامتحانا ، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل ، فتحرك العجل ، وصار له خوار وصوت ، وقالوا : إن موسى ذهب يطلب ربه ، وهو ههنا ، فنسيه ، وهذا من بلادتهم ، وسخافة عقولهم ، حيث رأوا هذا العجل الغريب الذي صار له خوار ، بعد أن كان جمادا ، فظنوه إله الأرض والسماوات . * ( أفلا يرون ) * أن العجل * ( أن لا يرجع إليهم قولا ) * أي : لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، فالعبادة للكمال والكلام والفعال ، لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه . فإنهم يتكلمون ويقدرون